فوزي آل سيف

26

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

إن من يستخدم العبارات البذيئة والكلمات الفاحشة، ويتعود على السباب، والشتائم، لا بد أن يُبحث في وضعه النفسي ولا ريب أنه وضع غير طبيعي؛ لأن الإنسان فُطِر وخُلق ومعه الحياء. و"الحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"[50]، فإذا تخلى إنسان عن هذه الفطرة فلا ريب أنه غير سوي! وهذا لا يرتبط بما هو معروف من القول المشهور: لا حياء في الدين.!! بل، كل الحياء في الدين[51]. الحُطيئة المثال السيء للبذاءة الحطيئة، جرول العبسي، هو شاعر مخضرم أدرك الفترتين، الجاهلية والإسلام أيضًا، وكان مضرب المثل في الهجاء وفي سلاطة اللسان. قيل إنه كان ولد جارية، ولم يعرف والده. ولعل هذا ساهم في أن ينمو ناقمًا على المجتمع سيء القول فيمن حوله! يتلذذ بجلد الآخرين بسياط شعره مثلما يراهم يجلدونه بنظرات استخفافهم به! كبر شاعرا متميزا، فأصبح يتكسب بالهجاء. ويحصل على حاجاته منه! بل حتى من يعطيه لأجل مدحه إياه إنما يفعل ذلك في الغالب خوفا من هجائه[52] لو لم يكرمه بالعطاء! أو حتى لو لم يكرمه بالعطاء الذي يتوقعه هذا الشاعر! قيل إنه مدح الزبرقان بن بدر التميمي بقصيدة. ويظهر أن هذا أعطاه مبلغا بسيطا، فما لبث أن هجاه الحطيئة بقصيدة أخرى، مطلعها: دع المكارم لا تذهب لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي. الزبرقان تأذى منه - وكان الزمان وقتئذ زمان الخليفة الثاني - وعرِف عنه سلاطة لسانه، وأن شعره يبقى ويذهب. فاشتكاه عند الخليفة الثاني: بأنه يهجوه فلم يتبين للخليفة الثاني - لما قرئ عليه هذا البيت – أهو مدح أم هجاء.. فحُكِّم حسان بن ثابت وهو الشاعر العارف بفنون الشعر فَسُئل: هل هجاه؟ أي بهذا البيت. قال: لا. بل سلَح عليه!. سلح عليه يعني: تغوط عليه!. إشارة إلى أنه أقذع في ذمه غاية الإقذاع. وكان – شاعر الهجاء ذاك - معروفا بهجائه إلى حد أنه هجا أمه، فقال: جزاكِ الله شراً من عجوز ولقّاكِ العقوق من البنينا أغربالا إذا استُودعتِ سرا.. وكانونا على المتحدثينا الغربال هو المصفاة ومن المعلوم أن المصفاة لا تحتفظ بما في داخلها، فكذلك يشبه أمه الكانون: هو الشخص الثقيل الوخم الذي يزعج بمجالسته وثقل ظله انظر إلى خطابه لأمه في في قوله السيء " جزاك الله شرا من عجوز.. ولقاك العقوق من البنينا، تأمل في هذا الكلام وتعجب! أيقول شخص لأمه التي حملته في بطنها تسعة أشهر ولقيت من العناء في تربيته

--> 50 البروجردي؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 14/ 281ا 51 وفي المصدر المذكور أحاديث في فضل الحياء منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: الحياء خير كله. ومنها ما عن أمير المؤمنين عليه السلام: الحياء سبب كل جميل، ومنها ما عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: الحياء من الايمان والايمان في الجنة.. نعم، لا بد من التفريق بين الحياء والخجل، ولا منافاة بين أن يكون الإنسان حييا ومع ذلك لا يخجل في مسائله الشرعية، فيظل مدة من الزمان من جاهلا بها؛ لأنه خَجِل أن يسأل عن غسل الجنابة. او خجلت أن تسأل عن الحيض وأحكامه.. 52 البروجردي؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 13 /398 : (شر الناس من اتقي مخافة شره (